حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
425
التمييز
مكان الغفلة ذكرا ومكان الاغتباط ندما ومكان الفرح حزنا ومكان السهو تيقظا ومكان الرغبة زهدا ، فلا يزال يزيل شيئا ينفعه إزالته ويجعل مكانه ضده فينتفع بابداله في مآله . وممّا يعين على إفراغ القلب من حبّ الدّنيا الفكرة في من مات وتقدّم كانوا يحرصون ويسعون ويأملون ويعمرون في هذه الدّنيا فأصبحوا آية للمتوسّمين ، وعبرة للمعتبرين ، فإن أنت أطلت اعتبارك وأنعمت استبصارك وتفكّرت وتذكّرت ونظرت رأيت أنّك واحد منهم ، خلقك كخلقهم وصفتك كصفتهم . فالعاقل من كان على بصيرة واستحضر مصيره ، فكم للدّنيا من عادة سلبت بها الملوك وأذلّت بها المالك والمملوك ، هذا قضاء الله النازل من سمائه وحكمه في عبيده وإمائه ، لا بد ما ينزل ما نزل ويصيب ما أصاب وإليه المرجع والمآب . وبهذا يكسب التجافي والإنابة والاستعداد لما أنابه ، والنظر فيما يقدم عليه وبما يصير إليه ، وهذا من كمال الكياسة وشمول السعادة ، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه وألبسه رداءه وأعطاه جماله وبهاءه ، والمنهمك في لذّاته وشهواته والمضيّع ما لا يرجع من أوقاته لا يخطر له الموت على بال ، ولا يحدث / 208 أ / نفسه بزوال ، وربّما خطر الموت بخاطره وجعله من بعض خواطره فلا يهيّج له إلّا غمّا ولا يثير في قلبه إلّا حزنا وهمّا مخافة أن يقطعه ممّا يؤمّل ويفطمه عن لذة في المستقبل ، وربّما فرّ بفكره منه كأنّه دفع ذلك عنه فهذا قلبه معلّق بالدّنيا ، ونظره مصروف إليها ، وسعيه كلّه لها ، وهو مع ذلك من طلابها المحرومين ، وأبنائها المكذوبين لم ينل منها حظّا ولا رقى بها مرقى ، ولا نجح له فيها مسعى فعمره ينقص وحرصه يزيد وجسمه يخلق وأمله جديد ، يحرص حرص مقيم ويسير إلى الآخرة سير سقيم ، كأنّ الدّنيا حقّ اليقين والآخرة ظنّ من الظنون ، فإن لم يكن للعبد عناية ازليّة وسابقة أولية وإلّا هلك كلّ الهلاك ووقع حيث لا فكاك . وإذا أدركت العناية عبدا أزال عن عينه قذاها ، وكشف عن بصيرته عماها ، وعرضت له الحقيقة « 1 » فرآها ، وأبصر نفسه وعاين هواها ، فزجرها ونهاها ،
--> ( 1 ) وردت في نور عثمانية 3755 : الحقيّة .